صاحب الدكان



عشت طفولتي في قرية جنوبية جبلية مترامية البيوتات ، تقبع في مواجهة جبل كبير يرقب قريتنا الوادعة كعاشق متيم لا يجرؤ على الاعتراف ، اقرب مدينة تبعد عنا حينها ساعة نظرا لوعورة الطريق ، لذا كان دكان عم عامر بما يقدمه من حلوى وسكاكر اقصى ما يستطيع ان يصل اليه خيال طفل لم يسبق له ان غادر القرية ، كان يضع حلواه في علب بلاستيكية قريبة من متناول اليد ويغض الطرف عن ريالاتنا المهترئة والايدي المنسلة بخفة الى علب الحلوى ، كان باب دكانه رحمه الله ملتقى لضحكات الأطفال ، اما انا فكنت العب دور البطولة بجرأة وصفاقة وأراهن على تمرير أي ريال مهما بدت حالته رثة ومزرية، ولم يحدث أن جعلني العم عامر أخسر الرهان ، كان يسعده ان يرى ابتساماتنا المنتصرة بقدر ما يفرحنا تكبده للخسائر ، وفي دخولي وخروجي المتكرر للمنزل كنت أمر بصندوق به عشرة ريالات لم يتبقى منها سوى ملامح باهتة بالكاد تبين ، وكنت اتفحصها كلما دخلت او خرجت واقرر في كل مرة انها أسوأ من ان تمر بسلام ! كانت تالفة ممزقة وكأنها المقصودة بعبارة ورقة في مهب الريح التي يتحدث عنها الأدباء ! اجزاء كبيرة منها مبتورة وكأنها جندي خسر اطرافه الاربعة في حرب غاشمة ! كانت تمر ايامنا برتابة متناهية حتى بدا أطفال القرية يتناقلون اخبار الحلوى الجديدة التي جلبها العم عامر من المدينة ، فقررت القيام بمغامرة متهورة قررت القيام بترميم العشرة ريالات !! و ما الذي سأخسره في حال فشلت ، العم عامر لن يأنبني، والعشرة ريالات لن يسأل عنها احد على أي حال ! فألصقت جزء من ريال مكان الجزء الناقص ، ونظرت لها كيف تبدو ! كانت بحال يثير الشفقة لا هي بالعشرة ولا بالريال ! واقرب ما تكون لقطعة فنية بشعة لحد مخيف، كانت باختصار مشروع جبار لفنان فاشل ! وهكذا دخلت دكانه بكل صفاقة فيما تسمر ابناء القرية يرقبون الموقف ، ويا للمفاجأة قبلها الرجل الطيب بل وابتسم لي ايضاً !! فاشتريت بنصفها لي وللاصدقاء واقمنا احتفال مهيب لم يغادر ذاكرتنا لشهور . مر تقريبا 30 سنة او ما يزيد قبل أن اسمع خبر وفاته ، حينها استعدت طعم حلواه على لساني التي استحالت لمرارة ، وتسامحه المتناهي ومواقفه التي لم تتكرر في حياتي لاحقاً ، حدقت في الفراغ وعادت بي الذاكرة لدكانه مستودع ذكرياتي وابتساماتي الطفولية العابثة ، اسندت وجهي على كفي ودخلت في نوبة بكاء حادة ..بكيت كطفل ينتحب على أبيه ، مرت ساعات قبل ان ادخل حسابي في تويتر المخصص لما يشبه اليوميات ، اردت ان اختزل ضحكاتي وبكائي وحزني في تغريدة ، تماماً كما كنت افعل في دكانه الصغير ، فقمت بذلك من خلال تغريدة كتب لها القبول بفضل الله ثم بفضل ذلك الرجل الطيب رحمه الله ، ربما للبعد الانساني والاخلاقي فيها دور في الانتشار الواسع ، أو ربما لان في داخل كل منا حكاية طفولة تنتظر ان يطلق سراحها ، التغريدة كشفت ان نسخ العم عامر الكثيرة موزعة على الاحياء والقرى والحارات القديمة ودكانه الصغير ما هو الا رمز راسخ في ذاكرة واذهان المجتمع السعودي من جيل السبعينات والثمانينات الميلادية .


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



ملاحظة : يمنع نشر أي تعليق بدون الاسم الصريح