الاستعباد المبطن



 

كنت أظن أن ممارسة العبودية ترجع لأزمان ما قبل التاريخ ومتأصلة في الشعوب القديمة فقط..
كنت أظن أن زمن امتلاك الإنسان لإنسان أخر والضرب بالسوط لمن لا يطيع الأوامر انتهى..
كنت أظن أن زمن العبودية ( الرّق ) والعبيد ( الرقيق ) والتجارة بهم بعد اختطافهم من أوطانهم وأسرهم انتهى..
كنت أظن وكنت أظن وخاب ظني.. فقد عاصرت عبودية في هذا الزمن من نوع آخر واستبدال السوط بضرب من نوع آخر.. يُستعبد الإنسان بلا وعي منه فيُسلب راحة البال والسعادة وحتى المشاعر!! نعم هذا ما يحدث حقاً فعندما يُقدِم الإنسان على فعل أمرٍ ما كان واضحاً له وضوح الشمس.. ويعرف في قرارة نفسه أنه على صواب يأتي أخر ليُسقيه كأس المرار جرعةً جرعة.. ويُحبطه ويتلاعب بمشاعره واحاسيسه ليُثنيه عن هذا الفعل، ويُذله تارةً ويبث الرعب في قلبه تارةً أخرى، ويظل ينظر إليه بشفقة وقسوة، ويفجعه بانسلاخه أمامه من معاني الإنسانية ليستحوذ عليه ويتلبّسه، فيمشي كما يريد ويأكل كما يريد ويجيب بما يريد..  بلا أهليّة.. بلا هوية ذاتية.. بلا وعي منه أنه لم يعد هو نفسه بل أصبح صورة طبق الأصل من المستخدِم له.. الشر المستطير الذي تلبسه.. فاستعبده وسخره لقضاء مآربه الشخصية والتي تنم عن النرجسية المتأصلة فيه، وكل ذلك تحت شعارات وهمية زائفة تنادي بالتضحية والتحمل والضغط على النفس أكثر من أجل الأخر، وكلما حاول الفرار يجد أنه الشمعة التي تحترق لتضيء للأخرين دون الاكتراث لمصير هذا الإنسان المحترق نفسياً..
أوليس هذا استعبادٌ مبطن؟!!!
ثم ننظر لزاوية أخرى من زوايا الاستعباد لنرى تطبيق قانون العبودية في مجال العمل فنجد العمالة التي تحصل على أجور منخفضة بينما هي تعمل في مجالات لا يمكن أن يقبلها آخر على نفسه ليس لعدم مشروعيتها وإنما هو يراها دون المستوى، ومن يعمل بها يظل عبد المجهود المضني المستمر.. فعند العمل في شركة أو مؤسسةٍ ما بما يفوق الثمان ساعات يومياً ستة أيام اسبوعياً تحت التهديد بالفصل أو النقل لمناطق نائية عدا عن سوء استخدام السلطة فلا يُقبل له عُذر إنساني ولا إذن لقضاء أمر عاجل ويُمنع أو يُؤجل حقه من الإجازات بحجة.. مصلحة العمل تقتضي.. ويكلفه بمهام كثيرة لا يكلفها غيره من نفس المستوى بحجة.. أنه موثوقٌ به وبمهاراته.. دون الإهتمام بواقعية التوازن بين حياة الموظف الخاصة وحياته العملية.. تسيِّره ( المحسوبية ) وتتحكم به ( الواسطة ) فيصبح الشخص يومياً مُكرهاً على العمل بائساً يائساً من تحسن أوضاعه، وكل ذلك من أجل الحصول على الأجر ( عبودية الأجر ) وإن فكر بالاستقالة فهو بين همَّين الأول عدم وجود رأس مال للبدء بعمله الخاص، والثاني عدم وجود أماكن شاغرة ليلتحق بها فيتحمل كمٌ هائل من الضغط النفسي الذي قد يؤدي في كثير من الحالات إلى إدمان النيكوتين و أمراض أبسطها السِمنة وأخطرها بعض حالات الانتحار، وقد انتهى صحفي التحقيقات روبرت كوتنر عندما حلل أعمال العالمين جيفري جونسون و إيلين هال إلى أنه عندما يعيش الإنسان حياة مليئة بطلبات الأخرين التي لا يملك حيالها إلا القليل من التحكم فهذا بمثابة مجازفة قد تفضى إلى صحة سيئة جسدياً ونفسياً..
أوليس هذا استعبادٌ مبطن؟!!!
الوعي بأنواع الإستعباد المبطن هو من أهم أسس كسر القيود والتحرر منه و الأمثلة في هذا الحديث متعددة فأين ترى الاستعباد من وجهة نظرك؟

‏‫



7 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1
      بنت محمد

      وصلني شعور الالم الذي في الكلمات … لا ادري وكاني وجدت نفسي بين بعض هذه السطور .الا اني استمر واقفة لاجل بيتي واولادي كل مايدور في راسي …هو ان اولادي ان ارادوا بيتا للاجتماع وظلا عائليا لابد ان يجدوه ان استسلمت وتركت كل شي ورائي من سيثبت في دنيا الابتلاء هذه (أليس الله بكاف عبده )
      كم اتمنى فعلا ان نطبق قول النبي احب لاخيك ماتحبه لنفسك …والراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامه .
      شكرا لقلمك وطرحك واحساسك ..الحمدلله اننا كلنا حننقل من الدنيا ..لرب رحييييم .

      (0) (0) الرد
    2. 2
      زينب بنت عثمان

      أرى الاستعباد اليوم في اكراه الأنثى بالعمل خارج بيتها ساعات طويلة الأسرة تحتاجها أكثر من المردود المادي الذي غالبا لا يغطي متطلبات الحياة المعاصرة،،

      (0) (0) الرد
    3. 3
      نزار رمضان

      ما أروع قلمك وأعمق فكرك

      (0) (0) الرد
    4. 4
      نجوى عواش

      دائما واقعية وكلملماتك مؤثرة ومواضيعك خادمة ومختارة بعناية.
      لك جل تقديري واحترامي أ.سميحة يماني

      (0) (0) الرد
    5. 5
      أبو البراء

      هذا المقال فيه جرعة وقائية لأخلاقنا وطريقة تفكيرنا وتعاملنا مع ذواتنا .. ومع من هم دوننا! نحن بحاجة إلى التربية الفكرية والذاتية..
      أجادت فيه الأستاذة الكاتبة في التصنيف حين جعلته نعوماً من الظلم والإستبداد المبطن سواءً عن قصد أو دون ذلك!
      ولطالما ظلمنا أنفسنا بتكليفها فوق ما تُطيق أو على الأقل لم نُعطها ما تستحق..
      أما أخلاقيات العمل والمحسوبيات فحدث عنها ولا حرج!
      اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال .. واصرف عنا سيئها 🤲🏽

      (0) (0) الرد
    6. 6
      ابومحمد

      مقال جميل يقودنا لنتأمل أنواع من العبودية التي لا يصعب معرفتها
      ( عبودية الفكر ) و ( عبودية الوظيفة )

      (0) (0) الرد
    7. 7
      الغامدي

      اخ من عبودية الافكار وعبودية العقول
      نعيشها في هذا الزمن بصور كثيرة
      خاصة مع وسائل التواصل والمشاهير
      استعبدوا عقول الناس وافكارهم
      فصار همهم ان يكونوا مثلهم
      نسوا النعم التي بين ايديهم
      ليتمنوا ما عند غيرهم

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



ملاحظة : يمنع نشر أي تعليق بدون الاسم الصريح