في الآونة الأخيرة بشكل عام وفي مواسم الإجازات بشكل خاص كثيرا ما نسمع جُمل متداولة مثل: " الملل قاتل" و "لا أدري ماذا أفعل" و " أكاد أنتحر من الملل " وأخرى نصائح مثل "عالج وأكسر الملل " و "أهرب من الملل " . حيث يعد الملل في مجتمعنا مثل داء وشبح خطير يهرب الناس منه ويبحثون عن وسائل علاج سريعة له قبل أن يتفاقم محاولين اللجوء إلى طرق وحلول مختصرة حتى تدفع عنهم الشعور به وبأعراضه التي تأتي على شكل الشعور بفقدان المحفز النفسي لأداء عمل ما ، و الانغماس فيه وأيضًا الروتين اليومي المتكرر، و غياب الإثارة في الحياة، كل هذا في وقت أصبحت فيه ثقافة الإنشغال هي الوضع الطبيعي لعيش الحياة ورمز لأهمية ومكانة الشخص المنشغل في مجتمعه، وفي المقابل أصبح الملل دليل على حياة فارغة من الأهمية والأهداف وسمة للأشخاص الكسالى والمتسكعين كما أنه في الغالب ما ترتبط معه قاعدة من نوع "من يشعر بالملل لا يشعر بالسعادة" بسبب غياب اللّذة المكتسبة من الإنشغال والإنتاج ومشاركة الآخرين.
لكن دعنا الآن ياعزيزي نصحح مفهومنا التقليدي عن الملل ونعقد معه الصلح ونحاول تفهمه، من خلال الاستعانة بالعديد من الدراسات التي تشير إلى أن منع النفس من الشعور بالملل يجعلنا نفوت على أنفسنا فرصة مهمة قد تدفعنا نحو المعرفة والابداع، أنت إن لم تعطي نفسك وقتًا كافيًا للملل والتعارك مع اللحظات البطيئة والتفكير دون فعل أي شيء فإنك لن تصل إلى حالة التأمل وصفاء الذهن التي تصل إليها الشخصيات الفذة عندما تكتشف نفسها وتسمح لأدمغتها أن تنتج الأنشطة الإبداعية أبدًا!
فالشخص المفكر والمبدع وغير التقليدي دائمًا مايحرص على خلق مساحة من الملل في حياته حتى لا يحبس عنه التفكير العميق والإشارات التي يرسلها العقل الباطن بأنه يفتقد شيء ما، مثل حالة عالم الرياضيات والفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل الذي دفعه "الملل المُثمر" كما أسماه" إلى كتابة أكثر من ٣٠٠ورقة بحثية يُثبت فيها بأن (١+١= ٢ ) وذلك أيضًا منعه من الإنتحار لآنه كان سببا في شغفه بتعلم المزيد من الرياضيات.
وكما جاء عن أستاذ الفلسفة إلبيدورو أن فترات الشعور بالملل تساعدنا أن نكون أكثر أنجازا للخطط والمشروعات المؤجلة وأيضًا الدراسة البريطانية عام 2014 حيث طُلب من مجموعتين، أن يبتكروا إستخدامات أخرى للأكواب غير الغرض الذي أخترعت لأجله، المجموعة الأولى شعرت بالملل قبل عملية التفكير، والثانية باشرت في التفكير فوراً، النتيجة أن المجموعة التي أصابها الملل أبدعت أكثر .
والآن بعد قراءتك لهذا المقال أظن أنك مستعدا لتجربة عيش بعض من الأوقات الممُلة بصدر رحب حتى تكتشف شغف الأيام المقبلة.
هل يموت الإبداع حين نقتل الملل!


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://alraynews.net/articles/6390419.htm
التعليقات 2
2 pings
فاطمه الزهراني
26/02/2018 في 7:53 م[3] رابط التعليق
تناسق كلمات وفصاحه في اسمى مراحل الدقة مقال اصح ما يقال عنه اعجوبه في عالم ندرت في اقاويل المبهجه هناك مستقبل عظيم ينتظرك ايها الكاتبة المنظمه .
مريم
27/02/2018 في 7:35 م[3] رابط التعليق
جممممممميل جمممميل جميل

انشروا كثير مثل هذي المقالات الممتعة الابداعية
ابدعتِ يا عواطف كثير استمري ..
كاتبة عظيمة♥️