كم نعيش التحديات، ترفرف قلوبنا مع الأُمنيات، نبحث عن تفاصيل الزمان والمكان.. وتبقى الدقائق في صراع مع الوقت.. يا له من كَمٍّ هائلٍ جدًّا من التناقضات!
لكن لم نتوقف بعد، بل وضعنا نقطةً لنتنفَّس الصعداء، وبعدها سنتأمل، نُفكِّر، نبحث.. ثم نُحدد (بوصلة الهدف) بدقة مُتناهية، لا تحيد يَمنةً أو يَسرةً، تمامًا كأننا في أرض خلاء نريد الصلاة، بعد أن تخلَّصْنَا من الأدران والهموم التي تساقطت مع قطرات الماء أثناء الوضوء. هل استشعرنا هذا الحسَّ الإيماني النقي؟! لقد أقبلنا صامتين بنية الوضوء، بلا تَلَفُّظ -كما أمرنا الله بذلك، وكما تعوَّدْنَا بالفطرة أن نؤدي الصلاة- ووقفنا أمام القبلة، ونحن في هيئة جميلة ورائحة عبقة، ونتحسس ما نرتديه، ونُعيد الأكمام التي نرفعها بلا شعور، ونحن مُقبلون على الله، كما هو الحال والشعور عندما تُسبل تلك الأكمام لتُغطي الأيدي كاملة.
نحن الآن مع الله، وبين يديه، وبقربه وحبله المتين قد تهيئنا واستعددنا لإقامة أعظم شعيرة وأقوى صلة تربطنا به -جل وعلا-؛ حيث قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" خوفًا من أن يحدث أي خلل في تلك المشاعر بهيبتها ورجائها.
الآن نحن مع الله، ونسأله أنْ يتقبل منا، ويعفو عنا تقصيرنا، ويبدل هذا التقصير رضًا وعفوًا وغفرانًا. يا لها من أحاسيس تنهض نحو الصعود لنيل الدرجات ومحو الزلات والمضي قدمًا في الأرض، كما أمرنا الله بذلك سعيًا وراء الرزق الحلال وبحثًا عنه، وتجنبًا للمحرمات- أفعالًا كانت أو أقوالًا-؛ ولذا ينبغي على الإنسان أن يشكر الله بكل ما يملك من جوارح.
نعم (جوارح)، تحسَّسُوها الآن جَيِّدًا. الحمد لله، أنا بصحة وعافية، أشعر بكل جارحة قد أُهملت لأننا تعودنا عليها، لو فقدنا الذوق يومًا لقلنا: "يا الله، ماذا حدث؟! اللهم رضاك، أريد أن أشعر بحلو المذاق!".
لا تيأس الآن؛ فالله يختبرك لأنه-سبحانه وتعالى- يحبك. هل نهض الشعور الجميل لديك؟ إذن هيّا بنا لأُخبركم بجمال الكون في رحاب القرب من الله.
ستحدث لديك المفارقات العجيبة، إذا كنت حزينًا فأيقظ الفرح لديك، وإذا كنتَ كئيبًا فاجعل ماء الوضوء يتقاطر من جوارحك، وسينتابك شعور جميل، وكأنَّ بوصلة صلاتك- في تلك الصحراء- قد تحوَّلتْ إلى خضرةٍ وماء! يا الله ما أكرمك! وما أعظمك! وما أرحمك بقلوب عبادك الضعفاء!. وحدتك في زوايا الصمت قد تبللت بوابل الوصل من الأحبة والأصدقاء وأهل الخير أجمعين، الآن أنت تبتسم، ولم تتوقف أيضًا عن الضحك بسبب قصص طريفة ومشاعر جميلة قد أُهديت إليك، مع ظرف رسائل التلاقي مع مَنْ يحملون لك الود وصادق العهد.
يا الله كم أنت كريم، لم نشعر بأسمائك إلا حين نعد العدة الآن للتسلح بها للحياة بسياج الأمان من الله الواحد المنان.
هل نهض الشعور لديكم أحبتي؟ لماذا تخذلنا الأحزان، وتدمي مُقلنا الدموع، ونتفطر ألمًا مع مواقف حدثت مع أشخاص، لم نكن نتوقعها، فتتحول إلى صدمة تكبلنا، وتجعلنا في عزلة عن حُبِّ الحياة والاستمرارية فيها؟!
لماذا نكون ضعفاء أمام الآخرين، والجباه لا تخضع سجودًا وخوفًا ورجاءً إلَّا لله- وحده، ربي ورب هذه البشرية- في المعمورة كافة؟!
لماذا نعلم الهدف - وهو كبوصلة قد حددنا كُل الطرق الموصلة إليها- ونظلُّ ننظر إليه، وكأنَّهُ سراب السراب، يضمحل، ويتلاشى كلما اقتربنا منه؟! لماذا التوقف والخوف والانشغال بالأفكار السلبية التي طالما جعلتنا نتأخر، ولا نتقدم، نبقى في رُكن قَصِيٍّ من الحياة؟! لماذا لم يدفعنا الشعور بلذة النجاح إلى النهوض، بل ركنَّا إلى الجلوس فلم ننهض؟!
يا إلهي كم هو شعور مقيت، أحدِّثكم الآن، وأنا أنهض، أستعد، أكتب، أبحث. صوتُ الأمل يُجلجل في قلبي، امتطيت صهوة التحدي، صهيلٌ ممتع في قلبي، وعلى الرغم من قوته فإنني أشعر بنعيمه؛ لأنه صوت الحقيقة نحو العزيمة، صوت النداء الجامح للحاق بركب التقدم والنماء والعطاء.
لا تتوقفوا لا تتعثروا، وإن سقطت الخيل. تعلمناها منذُ نعومة أظفارنا: "لكل جوادٍ كبوة". إلى الآن لم نسقط، هي المشاعر السلبية ذاتها لا تزال تدق قلوبنا التي ترتعد فرائصها رغبة في التقدم، وخوفًا من السقوط والفشل!
لا، وألف لا. الخيل تستعد. نقطة الوصول محددة، هيَّا تقدَّمُوا، لا تتأخَّروا؛ فإنَّ للصعود قمة لن يصلها إلا من نهض مبكرًا، ولم يتراجع خوفًا من الخذلان أو الهزيمة.
تسلَّحُوا بكل ما لديكم من ثوابت ستجعلكم في نعيم وشعور سليم بالفرح، وستجعلكم تنالون النجاح بكل فخر، تسلَّحُوا بـــ:
١/الإيمان القوي بالله.
٢/العزيمة الصادقة.
٣/حُسن الظن بالله عز وجل.
٤/التوكل على الله، قالها رسول الأمة - عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-: "اعقلْهَا، وتوكَّلْ". ماذا تنتظرون؟! هيَّا، الأفعال معقودة بالنواصي، تَقَدَّمُوا، لا تتراجعوا، أو تتأخَّروا. الطرق واسعة، والأماني باذخة، وطرق النجاح مُذللة، والقلوب النقية مُبللة بحب الله والقرب منه.
بقلم: هيفاء الربيّع

نحو الصعود والنهوض


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://alraynews.net/articles/6536290.htm