كم تحدينا فرضيات وإستراتيجيات للحد من خضوع الجسد لعوامل الزمن من تعرية أرضٍ.. وجَدْبِ تُربةٍ.. وتكدُّسِ نفايات قادمة من عقول ملوَّثة قامت برمي ما لديها في حاوية جسد قد مَرَّ خاويَ البطن.. فقيرَ المحتوى.. عاجزَ الفكر.. كسيحَ العمل.. عاطلًا عن الحياة من سعي وبذل!
كم نعيش الصراع منذ آلاف السنين من أجل (المحافظة على هذا الجسد)!
ولكن هل كُنَّا له أطباء ماهرين.. وحَذَقَة بارعين لنداوي جروحه ونَجبُر ما به من كسور.. قبل أن نحمله على الأعناق وقد غادرت الروح الجسد في مومياء غامضة.. موحشة.. وغبية نوعًا ما؟
لأن الروح غادرت قبل المحافظة عليها وإسعادها كما ينبغي..
هناك مَن خضع لعوامل الطبيعة من بحث وتنقيب للوصول إلى المعادن النفيسة في ذلك الجسد الموصوف في القرآن الكريم وبدقة عظيمة..
بوضعه في مصاف الأولويات وحمايته من مكيدة تُدمره وتُعطل ما بداخله من قوى عظيمة هي من صُنع الله - عزَّ وجَلَّ..
هل الأجساد للحركة.. والرقص.. والنظر لها بمبدأ القبول والرفض؟! هل الأجساد لحمل مواد البناء والآلات والمضي في الدروب المغْبَرَّة؟!
هل الأجساد فقط للبذل.. والكد.. والكدح.. دون الشعور بها؟!
لماذا مومياء الجسد تسكن الجسد الذي رضي بهوان العيش ولم يبحث عن سُبل الحياة الرغيدة.. والأَسِرَّة الناعمة.. والوسائد المريحة؟!
لماذا كُتب على جبيننا: لتعيشوا بعناء كي تشعروا بمعنى الحياة؟
هل الله أمرنا بذلك؟
لا..
الله قال: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا).
مِن حَقِّ هذه الروح الساكنة أعماق الجسد أن تُحب لتشعر بالحياة..
مِن حَقِّ هذا الجسد الاحتضان لتسري في عروقه دماء الشباب.. والتوقد.. والعطاء..
مِن حَقِّ هذا الجسد قُبلة حب واحترام لتشع عن أساريره السعادة.. وتجري الدماء بقوة ليعود الجسد بدماء الشباب الواعدة بالسير قُدمًا نحو العطاء والنجاح..
مِن حَقِّ هذا الجسد أن نُصفق له ونُرَبِّت على حواسه لتعود الجوارح تعمل من جديد بحياة لا تتوقف وأمل لا يخيب..
أجسادنا أمانة.. لِنعمل بحُب.. أمل.. ونظل مع الأشخاص الذين هم فرح.. وطاقة أمل.. وعمل.. لنعيش كما نحن من حقنا ذلك بجسد وروح..
وليس مومياء خافتة.. موحشة.. تنكفئ على نفسها.. وتخسر كُل ما لديها من جماليات.. وآمال واعدة.. وخطط مستقبلية قد دُفنت تحت ركام الخيبة والفشل والإحباط..
تلك المشاعر السلبية التي تجعل شعر الرأس أشعث أغبر..
والأنامل مُتشققة..
والوجنات غائرة.. جوعًا.. وحسرةً.. وألمًا..
والأعين مغرورقة من فداحة المنظر.. وسوء المنقلب.. وخسارة العمر والشباب..
تحسسوا أجسادكم جيدًا.. لا تجعلوا أرواحكم تُغادر الجسد باكرًا فتعيشوا في تأفُّف.. وضجر.. وإعياء دائم.. بل أنتم في خير..
تأكلون من طيبات الأرض.. تحتضنون قلوبًا تنبضُ بحُب الحياة والعمل.. لا تخنقكم القوانين الصارمة.. تلك التي تصدر من أُناس تنقصهم المصداقية.. وتخلو قلوبهم من الرحمة.. وتتنصل مشاعرهم من الإنسانية.. وتنهار نفوسهم أمام لذة الجشع.. والحقد.. والحسد.. حيث يتغذون عليها ويلفظون سمومهم على أجسادكم الضعيفة..
انهضوا.. لا تتهاونوا بحق الأقوياء المتسلطين عليكم.. قاوِموا.. تسلحوا بقوة الثقة بالله أولًا.. ثم الاستناد على أشخاص هم لكم عون في دروب الحياة المجهولة والغامضة..
الجسد لحم ودم فيه من الأحاسيس الكثير.. فيه من الاحتياجات التي تُريد منكم إشباعًا.. لن تجدوها إلا مع الصادقين أمثالكم.. تزودوا بطاقتهم الكامنة تلك التي هي حلقة وصل لتستمر الحياة.. لأن الجسد أمانة لدينا.
بقلم: هيفاء الربيّع

مومياء الجسد


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://alraynews.net/articles/6553182.htm
التعليقات 1
1 pings
خالد...
28/05/2021 في 5:57 ص[3] رابط التعليق
رائع جداً يآ استاذه