مبالغة الشعراء قديمة، ومقبولة مالم تتعدى حدود العقل وتصل إلى الإسفاف الممقوت، ولهذا فرق الشعر عن باقي العلوم الأدبية، يقول مسكين الدارمي:
قـدور ابـن حـربٍ كـالجـوابـي وتحتها
أَثــــافٍ كـــأَمـــثـــال الرئال ركـــودُ
فإذا علمنا أن القدور قديماً تصنع من الطين الفخَّار فلكم أن تتخيلوا قدراً كحوض النخلة واثافيه كأنها الأسود، ولا يستغرب من مسكين الدارمي هذا الكلام، فقد سمي مسكين وهو بعيداً عن المسكنة، بل هو سيد وشريف وشاعر خلفاء، وقد كان الفرزدق يحمد ربه بنجاته بأعجوبة من هجاء مسكين، ومسكين هذا هو أقدم من عمل بالدعايات المضللة إن لم يكن أولهم، فقد وفد أحد تجار بغداد بأقمشة وخُمُر ملونه، ونفدت جميعها باستثناء الخمر السود، لكره العرب لها وحبهم للألوان الزاهية البراقة، فلجأ التاجر لإبن عمه التميمي وشكى له حاله وكان مسكين عاكفاً متعبداً معتزلاً في أحد المساجد، فأخذته العصبية للقمّاش وأنشد متصنعاً:
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
قَد كان شَمَّرَ للصلاةِ إزارَهُ حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ
رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصيامَهُ لا تَقتُليهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ
فطمعن بنات المدينة بمسكين وأنه قد ترك التنسك، وأقبلن على شراء ما عند القمّاش وما عند غيره من الخمر والأقمشة السود حتى خليت منها أسواق المدينة، ثم عاد مسكين إلى مسجده بعد أن خدع "المساكين". بل تسبب على كل النساء باللبس الأسود من ذلك اليوم حتى اليوم.
ما اشبه الليلة بالبارحة، وقد كثر قوم مسكين، وكثر المغفلون والمقلدون.
أقمشة عفى عليها الزمن بعد أن فقدت قيمتها حتى وصل مترها إلى ثلاثة ريالات وأصبحت العمالة تستخدمها لرخص قيمتها في تلبيس المخدات والطراريح التي تحاكي المفروشات الشعبية، بل لرخصها تصنع منه (أكرمكم الله) سراويل "خط البلدة" للعجائز، وبقدرة قادر لبست إحدى مشهورات الفلس ثوباً من هذه الأقمشة فوصلت أسعارها إلى القمة بل فُقدت لبعض الوقت من السوق، ومثل هذا عندما ألصق البرقع بيوم التأسيس وهو بعيداً كل البعد عن يوم عظيم أسس فيه الوطن بالسيف والرمح ودماء الشهداء، فلم يبقى برقعاً في السوق ووصلت أسعاره إلى نصف الألف بعد أن كانت بحوالي العشرة ريالات، بل إن بعض المغرر بهن لبسن براقع فضفاضة من قصدير لا يلبسها في بعض البلدان إلا الساقطات والراقصات وبنات الهوى، ووصل التضليل بالناس أن قام أحدهم بوصف بطانية لا تفرق شيئاً عن بطاطين السوق بكلمات جعلت منها بطانية ملائكية، إن تلحفت بها شتاءً أدفأته وإن استخدمها صيفاً بردت عظامه، مع أن الجمعيات الخرية لا تستقبل مثل هذه النوعية لرداءتها، ومع ذلك نفدت من السوق.
وهب الله البشر نعمة العقل والتمييز ليتفكروا ثم يقرروا.
عندما يكون القدوة صالحاً يقود من حوله إلى الخير والعزة والفلاح، وعندما يكون القدوة من سقط القوم فسيقودهم إلى مواطن الخنا وسوء المصير، يقول المثل الشعبي "من كان دليله الديك قاده للجثوه" والجثوة هي موضع جمع سماد الحيوانات، وماذا سيجني أحدهم عن تقليد ساقط أو ساقطة إلا كما يجني الديك ومن يتبعه من سماد الحيوانات.
هل تتذكرون مكائن الخياطة وإشاعة أنها تحتوي على الزئبق النادر، وكيف انطلت الحيلة على المساكين الغافلين حتى صرَّف الخبثاء بضاعتهم التي جمعوها بأبخس الأثمان.
هل تتذكرون موجة الأسهم حتى فلَّست بالغالبية ووصلت بعض أسعار الأسهم إلى ألفين ريال وهي الآن بأثني عشر ريال.
هل تتذكرون فلان وفلان وغيرهم ممن يشترون السلع بأجل. معين ويعد السذج بالقيمة أضعاف مضاعفة خلال أشهر قليلة، حتى باع بعض المخدوعين سياراتهم وبيوتهم طمعاً بالربح السريع فإذا بهم على بساط الفقر متمددين.
تتجدد فرص الخبثاء وقدوات السوء، وتتبدل طرقهم وأهدافهم، والضحية دائماً هو من لا يستخدم عقله ولا إدراكه الذي وهبه له الخالق.